Uncategorized · يوميات

موقِفٌ من حياة تابعي جليل

السلام عليكم.. التدوينة الثانية عشرة

حضرتُ مجلسًا ذُكرت فيه قصةُ تابعيٍّ جليل، هو عُروة بن الزبير بن العوام، قصةٌ تدرّس لكلِ نفسٍ مؤمنة.. لابُد أن تتأملَ فيها.

هو من طبقة التابعين الأولى، وهو عالِمُ المدينة وأحد الفقهاء السبعة. حدّثَ عن أبيه الزبير بن العوام، وعن أمّه أسماء بنت أبي بكرٍ الصديق، وعن خالته عائشة – رضي الله عنهم- ولازمَها وتفقّه بها. حتّى قال لابنه هِشام: لقد رأيتني قبل موتِ عائشة بأربعِ حُجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وعيته.

مواقف من حياته

دعاء الشيخ الأعمى

طلبَ الخليفةُ الوليد بن عبدالملك من عروة بن الزبير زيارته في دمشق مقرّ الخلافةِ الأموية، فتجهز عروة للسفر من المدينة المنورة إلى دمشق، واستعان بالله وأخذ معه أحبّ ابنائه السبعةِ إليه، فأصيبَ في طريقه بمُصيبتين فاحتسب، أحدهما ابنه محمد فقد ركلتهُ بغلةٌ في اصطبل فلم يُسمع منه كلمة.

وأُصيبَ بمرضٍ في رجله يسمّى الآكلة أو القُرحة، وأخذَ ًيشتدّ، حتى أنه دخل دمشقَ محمولًا، لم يستطِع المشي. فطلب الخليفةُ له طبيبًا فقال بقطعِها، وقال: اشرب المرقِد -أي الخمر- فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد أن قال: حسّ حسّ، فقال عنه الخليفة: ما رأيتُ شيخًا قط أصبَرَ مِن هذا.

فدعا عروةُ وقال: لقد لقينا من سفرِنا هذا نصبًا، اللهم كان لي بنونٌ سبعة فأخذتَ واحِدًا وأبقيتَ لي ستة، وكان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ طرفًا وأبقيتَ ثلاثة، ولئن ابتليتَ لقد عافيت، ولئن أخذتَ لقد أبقيت.

ثم دخل عروة مجلس الخليفة وهو متكئًا على عصاه، فوجد شيخًا كبيرًا مهشما الوجه أعمى البصر، فقال الخليفة: ياعروة سل هذا الشيخ عن قصته. فقال عروة: ما قصتُك يا شيخ؟ فقال: يا عروة أعلم أني بِتُ ذاتَ ليلة في وادٍ، ليسَ في ذلكَ الوادي أغنى مني ولا أكثرَ مني مالًا وحلالًا وعيالًا، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمسُ وأنا لا أملِكُ إلا طفلًا صغيرًا وبعيرًا واحدًا، فهربَ البعيرُ فأردتُ اللحاقَ بهِ، فلم أبتعِد كثيرًا حتى سمعتُ خلفي صُراخَ الطفل في فمِ الذئب، فانطلقتُ لانقاذه فلم أقدر على ذلك، فقد مزّقه الذئب بأنيابه، فعُدتُ لألحقَ بالبعير فضربني بخفّه على وجهي، فهشّمَ وجهي وأعمى بصري. 

قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا ؟
قال الشيخ: أقول اللهم لكَ الحمد ترَكَ لي قلبًا عامرًا ولسانًا شاكرًا.

لا تعليقَ إلا أن أقول، كرّروا قراءتها ولن تملّوا، فإنها تُحدِث في القلب السليم أمرًا عظيمًا.


وعن حُسِن التعزية

قال الزبير بن بكّار: حدثني غيرُ واحد أن عيسى بن طلحة جاء إلى عروة حين قَدُم، فقال عروة لبعض بنيه: اكشف لعمك رجلي، ففعل فقال عيسى: إنّا والله – يا أبا عبدالله- ما أعددناكَ للصراع، ولا للسباق، ولكن أبقى الله مِنكَ لنا كما كنّا نحتاجُ إليه، رأيكَ وعِلمُك. فقال: ما عزّاني أحدٌ مِثلُك.


واسأل الله أن يرزقنا صبرًا واحتسابًا، وقلبًا عامرًا ولسانًا شاكرًا، كاحتساب عروة والشيخ.

انضمام 1٬795 من المتابعين الآخرين

رأي واحد حول “موقِفٌ من حياة تابعي جليل

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s